أبي الفرج الأصفهاني

182

الأغاني

يحيى بن عبد اللَّه بن عمر بن السّباق في جمع كثير بالجند ، فبعث إليه ابن عطية ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد بن عطية ، فلقيه بالحرب ، فهزمه ، وقتل عامة أصحابه ، وهرب منه فنجا ، وخرج عليه يحيى بن كرب الحميري بساحل البحر ، وانضمت إليه شذّاذ الإباضية ، فبعث إليه أبا أمية الكنديّ في الوضاحية ، فالتقوا بالساحل ، فقتل من الإباضية نحو مائة رجل ، وتحاجزوا عند المساء فهربت الإباضية إلى حضر موت ، وبها عامل لعبد اللَّه بن يحيى يقال له : عبد اللَّه بن معبد الجرمي [ 1 ] ، فصار في جيش كثير ، واستفحل أمره . وبلغ ابن عطية الخبر ، فاستخلف ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد بن عطية على صنعاء ، وشخص إلى حضر موت وبلغ عبد اللَّه بن معبد مسير عبد الملك إليهم ، فجمعوا الطعام وكلّ ما يحتاجون إليه في / مدينة شبام [ 2 ] . وهي حصن حضر موت مخافة الحصار . ثم عزموا على لقاء ابن عطية في الفلاة ، فخرجوا حتى نزلوا على أربع مراحل من حضر موت ، في عدد كثير في فلاة . وأتاهم ابن عطية ، فقاتلهم يومه كلَّه ، فلما أمسى وقد بلغه ما جمعوا في شبام حدر عسكره في بطن حضر موت إلى شبام ليلا . ثم أصبح ، فقاتلهم حتى انتصف النهار . ثم تحاجزوا ، فلما أمسوا ، تبع عسكره . وأصبح الخوارج ، فلم يروا للقوم أثرا . فاتّبعوهم وقد سبقوهم إلى الحصن ، فأخذوا جميع ما فيه وملكوه ، ونصب ابن عطية عليهم المسالح ، وقطع عنهم المادّة [ 3 ] والميرة ، وجعل يقتل من يقدر عليه ويسبي ويأخذ الأموال . مصرع ابن عطية : ثم ورد عليه كتاب مروان بن محمد يأمره بالتعجّل إلى مكة ، ليحجّ بالنّاس ، فصالح أهل حضر موت على أن يردّ عليهم ما عرفوا من أموالهم . ويولي عليهم من يختارون ، وسالموه [ 4 ] ، فرضي بذلك ، وسالمهم ، وشخص إلى مكة متعجّلا مخفّا . ولما نفذ كتاب مروان ندم بعد ذلك بأيام ، وقال : إنا للَّه ! قتلت واللَّه ابن عطية ؛ هو الآن يخرج مخفّا متعجّلا ، ليلحق الحج ، فيقتله الخوارج . فكان كما قال : تعجّل في بضعة عشر رجلا ، فلما كان بأرض مراد تلفّفت عليه جماعة ، فمن كان من تلك الجماعة إباضيّا عرفه ، فقال : ما ننتظر بهذا أن ندرك ثأر إخواننا فيه ، ومن لم يكن إباضيا ظنه من الإباضية ، وأنه منهزم ، فلما علم أنهم يريدونه قال لهم : ويحكم ! أنا / عامل أمير المؤمنين على الحجّ ، فلم يلتفتوا إلى ذلك ، وقتلوه ، ونصبت الإباضية رأسه ، فلما فتشوا متاعه ، وجدوا فيه الكتاب بولايته على الحجّ ، فأخذوا من الإباضية رأسه ، ودفنوه مع جسده . قال المدائني : خرج إليه جمانة وسعيد ابنا الأخنس ، في جماعة من قومهما من كندة ، / وعرفه جمانة لمّا لقيه ، فحمل عليه هو وأخوه ورجل آخر من همدان ، يقال له : رمّانة . وثلاثة من مراد ، وخمسة من كندة ، وقد توجّه في طريق مع أربعة نفر من أصحابه . وتوجّه باقيهم في طريق آخر ، فقصدوا حيث توجّه ابن عطية ، ووجّهوا في آثار أصحابه نحو أربعين رجلا منهم ، فأدركوهم فقتلوهم ، وأدرك سعيد وجمانة وأصحابهما ابن عطية ، فعطف عبد الملك على سعيد ، فضربه وطعنه جمانة ، فصرعه عن فرسه ، ونزل إليه سعيد ، فقعد على صدره ، فقال له ابن عطية : هل لك يا سعيد في أن تكون أكرم العرب أسيرا ؟ فقال : يا عدوّ اللَّه ، أترى اللَّه كان يمهلك ؟ أو تطمع في

--> [ 1 ] في هج : « عبد اللَّه بن سعيد الحضرمي » . [ 2 ] ب : « سنام » وانظر « معجم البلدان » : « شبام » . [ 3 ] لعلها « المياه » كما في هج . [ 4 ] ف : « ويسالمون فرضي بذلك وصالحهم » .